حدث في برايتون


برايتون مدينة لها طابع خاص تؤثر في الزائرين لها وتغير من طباعهم .. نادر حبيب يكتشف أن برايتون هي المراية الحقيقية التي يمكن للشخص أن يكشف فيها ذاته


برايتون مدينة ساحلية في جنوب إنجلترا تستقبل كل عام أعداد كبيرة من الطلبة الذين يريدون التميز في دراستهم من جميع مختلف العالم حاملين معهم ثقافتهم ومعتقداتهم وأحلامهم ومستقبلهم، فيها تبدأ الصداقات الصادقة البعيدة عن أي مصالح أو أهداف غير معلومة، فالكل هناك صادق مع نفسه ويسمى الآشياء بأسمائها، علي أطراف تلك المدينة وفي المبنى السكني المخصص للطلبة، عاشت أربعة سنوات بطلة روايتنا “منة الله” أكثر أربعة سنوات تأثيراً في حياتها، ولما لا والمثل المصرى القديم يقول في السفر سبعة فوائد.

رواية “حدث في برايتون” لسامح فوزى التي نشرتها دار الهلال ضمن مشروعها الثقافي “روايات الهلال” في حوالي ١٢٠ ورقة، يعطينا من خلالها فرصة جيدة لكى نشاركه كتابة هذه الرواية وننسج في خيالنا شكل وثقافة شخصيات روايته التي يمكن أن نضعها بصراحة تحت عنوان صراع الحضارات بل صراع الثقافات بين معتقادات وتقاليد شرقية قد تكون في كثير من الآحيان بالية، أكتسبناها منذ القدم ولم نقرر كشعب التخلى عنها بالرغم عن ميولنا وتطلعنا إلي كل ما هو غربي .. صدمات حضارية وثقافية متتالية ستقابلها بطلة روايته “منه الله”.

“منة الله” أسم يحمل الكثير في الثقافة المصرية، فهو يعنى عطية الله وهنا نكتشف دون أن يسجل فوزى ذلك أنها الابنة الأولى التي أنجبتها الأسرة مكونة من أب وأم وأربعة أبناء، ولأن الطفل الأول له دائماً كل الأهتمام فقد عمد الأب لبذل كل مجهود لكى يصل بأبنته إلي أعلي المراكز العلمية لكي يرتفع شأنها في السلم الاجتماعي الذي رسخ لهذا المبدأ وذلك في شخصية دسوقي أفندى وكيل المحامي والتي قدمها الفنان عادل إمام مما يقرب من ٦٠ عاما عندما قال في مسرحية أنا وهو وهى جملته الشهيرة بلد شهادات صحيح، وكعادة أهل البلاد فأن من جد وجد، وتتخرج الفتاة  بتقديرات عالية من الجامعة وتعمل بها لأنها من الفتيات المجتهدات، ولكن للأسف لا تجد لها مكان كمعيدة، فيعاد لأذهاننا ما يمكن أن تقابله فتاة بسيطة ليس لها واسطة سوى الله في الجامعة، ودكتور وثق في قدراتها ولكنها ليست من درجة القرابة الأولي التي تجعله يساندها في أن تكون معيدة بالقسم الذي تفوقت فيه، ولكنه أيقن بقدراتها فقرر إعطائها الفرصة لتكون مجرد باحثة في الجامعة، والعمل معها لكي تستكمل أوراقها لتلتحق بالدراسات العليا والحصول علي الماجستير ولو أمكن الدكتوراه من تلك الدول التي تمنح الطلبة الفرصة لتحقيق أحلامهم، وذلك لغرض واحد هو مجده الشخصى الذي سيحصل عليه بمجرد أن ينتشر في الجامعة أنه صاحب كرامات في سفر تلاميذه ومريديه إلي تلك المنح التي يحلم بها الجميع.

ومنة الله شخصية تعتقد في الحسد وتكره التطفل في حياتها وتسير بمبدأ “دارى علي شمعتك تقيد”، فكتمت خبر حصولها علي منحة حتي علي أعز أصدقائها وزملائها في العمل، ولكن ذلك الدكتور فشى سرها الكبير، فقررت الاستقالة من الجامعة وخاصة أنها أجبرت علي ذلك لأنها تعمل بعقد وهو ما يعنى أنها لا يمكن أن تأخذ أجازة بدون راتب للحصول علي دراستها، فبكل تأكيد لن تضحي بهذه المنحة من أجل عمل مؤقت.

وتبدأ أول صدامها مع الغرب وهي لازالت في الطائرة فهي ولأول مرة ترى بشر من كل جنس ولون لكل منهم ثقافته ومعتقداته وتقاليده فهل هي علي أستعداد أن تشارك كل هؤلاء الحياة في رحلة آمنة كأسرة واحدة هي الأسرة الأنسانية، وأول ما لاحظته من تقاليد هذه الشعوب هي الابتسامة الرقيقة التي يقابلوك بها، وهذا بالطبع خلاف ما تعرفه في مجتمعها فإذ ما ضحكت في وجه أحد أما سيدعوها بالجنون أم أنها تريد شئ، وعندما يكون في حوار تبدأه بأبتسامة فليس مهم أن تكون اللغة جيدة، ولكن محاولة فهم الآخر ببضع كلمات يعطيك الفرصة للتعلم والتواصل، وهذا أيضاً بخلاف ما تعارفت عليه في مجتمعها من الخوف بتحدث بلغة أخرى حتي لا يضحك عليها أي شخص…

عندما يبدأ الانسان بالتعرف علي الآخر المختلف ينشأ دائما منولوج ذاتي مع النفس حول هل تقاليد ومعتقدات الشخص الآخر صحيحة أم لا، وهل ما كبرنا عليه هو الصحيح والآخر هو الخطأ؟  وذلك إذا كان الآنسان قليل الثقافة يحفظ دون فهم حتى ولو كان وصل لأعلي المراتب العلمية، وخاصة إذا كانت تلك الامور متعلقة بالمعتقدات الدينية التي لا تقبل الشك بأى شكل من الأشكال.

بلاد الفرنجة هذا ما يطلقه العرب علي الدول الأوربية التى أسعدتنا كثيرا بإختراعاتها وقيمها، من حيث النظام والادارة وشيوع الاخلاق في المعاملات وذلك بسبب تلك الآفلام التي صنعناها عن الحروب الصليبية، من جانب والأفلام الامريكية التي أبهرتنا جميعا وفي نفس الوقت أظهرت لنا مدى الأنحلال التي قد وصلت إليه تلك البلاد وتناسينا أن تلك الآفلام ما هي إلا قصص وخيالات كتاب ومخرجين ليستمتع البشر بها، ولكن كل تلك الأمور بجانب أن بطلة روايتنا فتاة محافظة تحمل علي كاهلها الكثير من الهواجس تجاه الغرب، وكانها ذاهبة للتهلكة، ولا تستعيذ بالشيطان إلا بدينها وتعليمات والديها.

في النصف الأول من العام الأول ظلت منة الله منغلقة علي نفسها، لا تريد التعامل مع أى أحد وأكتفت بالتعامل مع العالم الخارجي من خلال نافذتها الصغيرة والتى كانت تتابع من خلالها كل كبيرة وصغيرة، تري العلاقات بين الشباب في الجامعة وتتمني وتحلم أن تُحب وأن تكون  بطلة لأحد قصص العشق التي تراها وتتابعها من خلف الزجاج ولكن تربيتها ودينها وثقافتها تمنعها من تلك المغامرات الشبابية، وأستعوضت كل ذلك بالصلاة لينقذها من كل ذلك الشر من حولها، وفي أجازة نصف العام قررت أن تهرب إلي مصر لكي تقضى الأجازة مع أهلها، وهي في ذلك تريد أن تؤكد لوالديها أنها أستطاعت أن تحافظ علي نفسها من ذلك المجتمع الفاسد، ولكن بداخلها كان الصراع النفسي في أعلي نقاطه، في ما بين الاندماج مع المجتمع أو الانغلاق مع الذات.

عند عودتها ومع بداية النصف الدراسي الثاني كان الأمر مختلف، فقد بدأت وبفعل زميلتها في السكن ماريانا كورتيجا المكسيكية الأصل والتي تدرس العلاقات الدولية، التي أستطاعت ببعض الكلمات الطيبة والتشجيعية أن تخترق تلك الأسوار النفسية العالية المنيعة التي أنشأتها منة الله حول نفسها بعد فترة من وصولها إلي برايتون، مما جعلها تقف وقفة صادقة مع نفسها وتبحث في داخلها عن سبب تلك التعاسة التي تعيش فيها نتيجة وحدتها بالرغم من أن هناك الكثيرين حولها في منتهي السعادة ومتمييزين علمياً، ولآن درجاتها في النصف الأول من العام كانت علي غير قدر المجهود الذي بذلته إلا أن ذلك كان عامل آخر لتغير نمط حياتها.

بفضل أورتيجا خرجت إلي العالم وكأنها كالطفل الذي لايزال يحبو في عامه الأول، لا تعرف كيف تتعامل مع الآخر بأسلوب حضارى، فتارة تتدخل في تصرفات زميلتها وتنقدها وتارة تتدخل في ما لا يعنيها وتسمع ما لا يرضيها ولكنها تعلمت من كل تلك المواقف، الفرق بين حريتها وحرية الآخرين، لقد تعلمت الكثير في تلك الفترة، تعلمت عادات غذائية وصحية مفيدة، تعلمت تحب جسدها بعد أن كانت تراه عبء عليها، تعلمت أن تكون إيجابية وأن تكون عضو أساسي بين زميلاتها بعد أن كانت مجرد أنسان يشاركهم المسكن دون أن يتعرفوا عليها، أحبت الأحتفال بأعياد الميلاد، وتعلمت من زميلاتها حب الحياة، تعلمت التأمل في الحياة، ذهبت لتتعلم عن ذاتها التي لا تعرف كيف تعرفها منذ أن كانت في صعيد مصر فالجميع يحاصرها وفرض المجتمع عليها عزلة، فباتت لا تفكر في نفسها، بل كل ما يجب عليه عمله هو آداء عملها ثم آداء بعض الواجبات المنزلية مثلها مثل أخوتها البنات، ولكن في برايتون الآمر مختلف عليها أن تعرف ذاتها .. لقد وجدت ضالتها في برنامج نفسي إجتماعي يقدم مجانا في كنيسة معمدانية، في منطقة يعيش بها أقلية يهودية .. بالطبع كان ذلك تحدي كبير (ستدخل إلي كنيسة وفي منطقة بها يهود) .. شئ مرعب بالطبع أن تدخل منطقة يهود هؤلاء الذين كبرت علي أنهم أعداء الأمة العربية والإسلامية.. بالطبع هذا التحدي كان كبيرا ولكنها قررت ترك الخوف جانبا منذ أن عزمت الخروج إلي العالم لتبحث فيه عما يناسبها وينمي شخصيتها.

بعد أنتها العام الدراسي الأول قررت أنها لن تعود إلي مصر في الأجازة لكي تعوض ما فاتها، وقررت أن تنزل فقط في شهر رمضان لتقضيه مع أسرتها الذين لاحظوا التغير الذي لحق بها، فهى أصبحت تحب القراءة بشدة، وسماع موسيقي لموزارت لتخلق لنفسها جو تعيش فيه وأصبحت قليلة الكلام مع أقرانها، فهى أصبحت تفكر بطريقة أخرى، وأكتشفت أنهم لا يتكلمون فيما لا يفيد ويضيعون وقتها، فكانت تقضى الأيام مسرعة لكي تعود إلي برايتون الساحرة، وعند عودتها مع بداية العام الثاني قررت أن تنتقل إلي بيت الطالبات بجانب البحر وبالرغم من أنه أعلي تكلفة إلا أنها أختارت أن تكون بجانب البحر الذي صادقته وخاصة بعد أن رحلت صديقتها أورتيجا عائدة إلي ديارها بعد أن أنهت دراستها ولكنها ظلت صديقتها الأمينة التى تفشي لها بأسرارها، صداقة عابرة للمحيطات، أحبت منة الله تلك المنطقة التي سكنتها لأنها منطقة حيوية بها محلات للأطعمة من كل الثقافات، وتقام علي شواطئها الأحتفالات، لقد تغيرت نظرتها للناس من حولها وأنهت الاربع سنوات بعد أن أستثمرت وقتها أفضل أستثمار في التعرف علي الثقافات المختلفة والإنفتاح على الآخر وأحترام معتقاداته وثقافته وإنسانيته، بل الآهم من ذلك هو محبة الآخر مهما كانت جنسه، لونه، دينه، والأعظم هو محبة النفس وقبول ما بها من سلبيات قبل الايجابيات.

عند العودة إلي الوطن أصبح الامر مختلف تماماً، فمنة الله التي سافرت منذ أربع سنوات لبرايتون غير تلك التي رجعت، فهى قد حصلت علي درجة الدكتوراه بتفوق أصبح لها أصدقاء علي مستواها الثقافي والإجتماعي في كل أنحاء الكرة الأرضية ولكن أكثرهم هي أورتيجا المكسيكية، وأصبح الصعيد بما فيه من تعاسة في تعامله للمرأة غير جذاب لها بأى حال من الأحو ل، بل أصبحت القاهرة هي الحلم والآمل في وظيفة مرموقة تحقق لها أحلامها بحياة أفضل لها ولوالديها، لقد سعت بجد وإخلاص حتي وجدت وظيفة في شركة أدوية إقليمية لها عدة فروع بالشرق الأوسط بمساعدة أستاذ يعمل بالجامعة الامريكية كانت تعرفت عليه في جامعة ساسكس ببرايتون، وبالطبع ساعدها ذلك في تحقيق حلمها بالذهاب إلي القاهرة، في ظل إعتراض من أهلها المحافظين، الذين يروا أن البنت لا يجب أن تعيش بمفردها، ولكنهم أرتضوا وأقتنعوا في النهاية لأنها الوحيدة في أسرتهم التي سسافرت وتعلمت ووصلت لأعلي الشهادات.

لقد عملت في البداية كمديرة لقسم الابحاث في الشركة، فحاولت أن تقدم الجديد ومع الجهد والمثابرة أستطاعت أن تصل في وقت قصير إلي مركز المدير الاقليمي للشركة، فأصبحت أكثر أهتماما بأناقتها وبدأت في التفكير في البحث عن بيت الاحلام – بعد أن كانت تعيش في شقة إيجار مع إحدى الفتيات في منطقة الكوربة يتقاسمن إيجار الشقة، ولكنها ظلت تحافظ علي تلك الشخصية التي كونتها وبنتها في برايتون، وأحبت الذهاب إلي المسرح والسينما وحفلات الموسيقي، حياة أحبتها وحاولت الحفاظ عليها علي قدر المستطاع – فقررت شراء بيت في التجمع، ونجحت في ذلك وبدأت في تأسيسه بأرقى أنواع الأثاث، وكانت تشعر أنها ملكت الدنيا وحققت أحلامها، ولكن يتبقي حلم واحد فقط هى أن تكون أسرة وتصبح أم مثل صديقتها أورتيجا.

ومع تجربة زواج غير سعيدة في نهايتها تكتشف أنه بالرغم من أنها وصلت إلي أعلي مستويات العلم والثقافة إلا إنه كان ينقصها الكثير في العلاقات الانسانية، فطلبت الطلاق بعد أن أكتشفت أن زوجها الدكتور الجامعي ما هو إلا رجل غير مؤهل أصلاً لكي يكون أستاذ جامعي ولكن كل همه البحث عن المادة وزيادة حسابه البنكى إلي أكبر قدر مستطاع، في حين تركها هي دون أي مشاعر رومانسية كتلك التي كانت تراها بين الطلبة من خلف زجاج غرفتها في برايتون في النصف الدراسي الأول.

خرجت من هذه التجربة القاسية بطفلة لم يراها أبوها نهائيا، فكانت هي الأب والأم، فعملت علي تعليمها أفضل تعليم وقررت أن تعلمها الحياة كما أحبتها هي، وأصبحت برايتون هي القبلة التي تذهب لها كل عام لكي تعيد ذكرياتها وتقابل أصدقاءها في ذلك المكان الذي عاشت فيه أروع سنوات حياتها، تذهب لكى تأكل في مطعم دوناتلوا في الدروب الضيقة ذات الأرضية الحجرية بحثاً عن بيتزا دسمة في العشاء، علمت أبنتها كيف تكون ناضجة في أختياراتها منذ نعومة أظافرها، حياة أختارتها لنفسها وعشقتها.

من الأشياء الرائعة في تلك الرواية أن فوزى أستطاع أن ينقلنا زمانيا ومكانيا لبرايتون تلك المدينة التي يمكن أن يعشقها القارئ دون أن يذهب إليها، وحتي أن ذهب في يوم إليها سيجد ما وصفه عنها بكل دقة، شوارعها، منازلها، مواصلاتها، ومواطنيها، فهو قد سبق ودرس هناك في جامعة ساسكس ويعرف دروبها وخباياها، حتي أن قررت أن تبحث عن تلك الأماكن التي وصفها في روايته ستجدها علي مواقع البحث الشهيرة فيعطيك ذلك ثراء في تخيل الأشخاص والقصص والحكايات، وتظل برايتون هي المراية الحقيقية التي يمكن للشخص أن يكشف فيها ذاته بعيدا عن رأى المجتمع فيه، فأما أن تكون نفسك أو لا.

Post a comment

Facebook Comments