سرجيوس خطيب الثورة


عالم المكتبات | نادر حبيب يفتح ملف من ذكريات ثورة ١٩١٩


مشهد مهم في نهاية فيلم “بين القصرين” يستعرض أحداث ثورة ١٩١٩ ويظهر فيه قس يعتلي منبر مسجد الازهر خطيباً، مشهد غريب ولكنه في تلك اللحظة التاريخية التى مرت بها مصر لم يكن غريباً، فقد عرف ذلك القس بأنه خطيب الثورة الوطنية التي قام بها الشعب ليفرض سيطرته علي المحتل والقصر في وقت يريد كل من الجانبين سيطرة حمكه علي الشارع المصري بالدهاء والعنف وظل ذلك القس رمزاً للوحدة الوطنية ولحظة نادرة ومضيئة في سجل تاريخنا المصرى سجلها أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة محمد عفيفي في كتابه “الدين والسياسة في مصر المعاصرة” والذى صدر عن مكتبة الشروق عام ٢٠٠١.

لقد ولد سرجيوس في جرجا بصعيد مصر عام ١٨٨٣، لعائلة توارثت سلك الكهنوت، حيث كان أبوه قسيساً وكذلك جده، ومن هنا كان طبيعياً أن يكون هو كذلك كاهناً، كعادة تلك الأيام وأن يتمرس علي الخطابة والوعظ، وبالطبع شأنه شأن كل الأطفال في تلك القرى فقد ذهب إلي الكتاتيب والكنيسة لكى يتعلم القراءة والكتابة والآلحان الكنسية حتى عام ١٨٩٩ رحل إلي القاهرة في عمر الـ١٦ عاماً ليلتحق بالمدرسة الاكليريكية (وهي تلك المدرسة المهتمة بتعليم اللآهوت المسيحي).

لقد ولد سرجيوس عقب الآحتلال البريطانى لمصر عام ١٨٨٢، فشارك معاناة هذا الجيل الذي عاش تحت وطأة الأحتلال، وشاهد بدايات الحركة الوطنية ضد الأحتلال وقمعها قبل الحرب العالمية الأولي، ومعاناة الشعب أثناء هذه الحرب، وبالتالي لم يكن غريباً أن يقود هذا الجيل ثورة ١٩١٩ حين كان سعد زغلول منفياً خارج البلاد، ففي عام ١٩١٩ كان سرجيوس يبلغ من العمر ٣٦ عاماً، وهى نفس المرحلة العمرية للجيل الثانى من الوفد الذى قاد التحرك الشعبي والعمل السرى للثورة.

وعلي المستوى القبطي، كانت الحياة القبطية تدخل منعطفاً جديداً، نتيجة جهود البابا كيرلس الرابع “أبو الإصلاح”، فضلاً عن تحديات التبشير الكاثوليكي والبروتستانتي، ولقد تأثر القس سرجيوس بهذه الأجواء، فقبل ذلك كانت ثقافة الكاهن القبطي متواضعة للغاية، وكان من يتولي الوعظ هم بعض الكهنة الذين يجمعون بين الوعظ وأعمال حرفية وزراعية أخرى ليتقوتوا منها، ولم يكن هذا الوضع يتناسب مع الثقافة الراقية، وفن الوعظ الذى يتمتع به المبشرون الآجانب، من هنا كان إنشاء المدرسة القبطية الاكليريكية، يعد تطوراً كبيراً في الحياة القبطية.

وإذا أنتقلنا من المناخ العام لطبيعة شخصية سرجيوس الخاصة، وأثرها في تطور حياته، فأننا سنجد تميزاً خاصاً لسرجيوس في هذا الاتجاه فقد وصفه البعض علي سبيل المدح بأنه نادر، ثائر، شاذ لا يسير كما يسير الناس، شبهه بالبركان المتفجر، كما أنه شعلة متقدة من النور لكل من حوله.

أن روح التمرد قد ظهرت مبكراً لدى سرجيوس، ففي عام ١٩٠٢ قاد تمرداً لطلاب الاكليريكية وهو معلم بها من أجل إصلاح شئونها وأحوال الطلاب بها، فلجأت البطريركية بمحاولة قمع لهذا التمرد بالتهديد عن طريق إستدعاء البوليس، لإنهاء أعتصام الطلاب، ولجأ الطلاب في وقتها لبطرس باشا غالي أهم شخصية قبطية علمانية في ذلك الوقت لأنهاء الخلاف.

بعد تخرج سرجيوس من المدرسة الاكليريكية، تزوج في عام ١٩٠٤ لكى تتم رسامته قساً، وخدم بعدها في كل من الزقازيق، سنورس بالفيوم، وملوى بالمنيا إلي أن تم ترقيته إلي درجة “قمص” في عام ١٩٠٧ وفي عام ١٩١٢ أنتقل سرجيوس للعمل بالسودان وكيلاً للمطرانية القبطية هناك.

وفي السودان كان الأمر مختلف فقد بدأ سرجيوس دوره الوطني الحقيقي في الظهور، فقد وصل إلي هناك في أعقاب عديد من الأحداث الطائفية التي شهدتها مصر آنذاك بعد مصرع بطرس باشا غالي في عام ١٩١٠. وإنعقاد المؤتمرات الطائفية في عام ١٩١١، وأنتقل هذا التوتر إلي صفوف المصريين المقيمين في السودان، ووفقاً لرواية سرجيوس فقد أنقسم أعضاء النادي المصرى الذى كان يرمز إلي وحدة المصريين في السودان، وخرج منه معظم أعضائه من الأقباط وشكلوا ناديا آخر أطلقوا عليه أسم “المكتبة القبطية” كتأكيد علي أنفصام عرى عنصرى الأمة، وتمايز كل واحد عن الآخر.

ودعا أعضاء المكتبة القبطية القمص سرجيوس لإلقاء محاضرة دينية بها إلا أن سرجيوس عندما شاهد بين الحاضرين بعض المسلمين عمد إلي تغيير موضوع المحاضرة وجعل عنوان محاضرته “عيشوا بسلام” داعيا فيها إلي التآخى والمحبة بين الأقباط والمسلمين، وبدأ يعمل مع بعض العلماء المصريين المسلمين في السودان دوراً مهماً في عودة الوئام بين الأقباط والمسلمين في السودان حتى عبروا أزمة أغتيال بطرس غالي.

بل الأكثر من هذا أنه أصدر مجلته الشهيرة “المنارة المرقسية” التى كان يبث من خلالها آراءه وأفكاره، مما أزعج السلطات البريطانية في السودان، وبصفة خاصة بعد إندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث أمرت السلطات البريطانية بترحيله من السودان، التي غادرها في ١٦ مايو ١٩١٥، حيث عاد منها إلي بلدته جرجا حيث ظل بها بلا عمل ولاراتب بأستثناء بعض المساعدات التي كان يرسلها إليه أقباط السودان، حتي غادرها إلي القاهرة ليقيم بشبرا منذ عام ١٩١٧ وحتي نهاية حياته، وذلك بحجة أن أولاده في حاجة إلي التعليم في مدارس القاهرة.

وبمجئ عام ١٩١٩ بدأ نجم سرجيوس الوطني في اللمعان، نظرا لطبيعة الدور الذي لعبه في هذه الثورة، فهو كرجل دين قبطي، أعتبر بمشاركته في الثورة رمزاً للوحدة الوطنية في مصر، وكان علي وعي تام لطبيعة الدور التاريخي الذي يلعبه في هذه الفترة، حيث أدرك مبكراً أن أشتراكه ككاهن مع شيوخ الأزهر في العمل الوطني يعد دليلاً علي وحدة المصريين وبراءة ثورتهم من تهمة الرجعية والتعصب، كما كان علي وعي بأهمية الدور الذى يؤديه الأقباط في هذه الثورة لتأكيد وحدة عنصرى الأمة وإستجابة لنداء الوطن.

لقد جاء إنخراط سرجيوس في أحداث الثورة بصفة تلقائية وعفوية، إذ يروى سرجيوس قصة أنخراطه في الثورة قائلاً: ” ظلت حياتى موزعة بين الدراسة والوعظ والعبادة وحتى أحد أيام سنة ١٩١٩، وكنت قابعاً في بيتي عندما سمعت ضجيجاً وصخباً في الشارع، ولما تبينته وجدته مظاهرة من الشباب تهتف (يحيا سعد، يحيا الأستقلال)، ولما سألت عن السبب قيل لي: إن المستعمرين قد اعتقلوا سعداً الذى يطالب بالاستقلال التام، وهنا تدفقت الدماء الحارة إلي رأسي، وكأنما براكين الدنيا كلها قد تفجرت في نفسي، فأسرعت إلي الشارع وأنضممت للمتظاهرين، وسرنا نهتف ونصيح”

في أثناء تلك الثورة العارمة التي أجتاحت البلاد من أجل سعد زغلول وأستقلال الوطن توجه سرجيوس مع المسيرة الوطنية التى توجهت إلي الأزهر الشريف، حيث أعتلى سرجيوس منبر الأزهر خطيباً وداعياً إلي الثورة، فكان ذلك ظاهرة جديرة بالبقاء في ذاكرة الأمة حتى وقتنا هذا، وأستمر علي هذا المنوال يخطب في المساجد والكنائس، ويترأس المظاهرات، لا سيما في الميادين العامة، مثل ميدان الأوبرا، الذى كانت تتجمع فيه العديد من المظاهرات.

والدارس لأسلوب سرجيوس الخطابي يجد أن خطابه للجماهير يتميز أنه أسلوب سلس ولاذع وساخر ومثير للجماهير في نفس الوقت، وربما ساعده علي ذلك قربه الدائم من الناس عن طريق الوعظ والإرشاد، لاسيما للفئات المتوسطة والفقيرة. وهناك العديد من الأمثلة عن الخطابات المثيرة التي كان يلقيها سرجيوس علي الجماهير، فمن علي منبر الأزهر وجه سرجيوس خطاباً ساخراً إلي الجماهير محرضاً علي الثورة قائلاً: ” كنت أسير يوماً في شارع كلوت بك، فوجدت أطفالاً يلعبون أمام منزلهم، فتحدثت معهم حديثاً، قالوا لي بعده: (إن أمنا في المنزل، و هناك بعض الجنود يعتدون عليها)، فعجبت لأمرهم وسألتهم: كيف ذلك؟ قالوا: ماذا نفعل؟، فصعدتُ إلى المنزل، فوجدت امرأة يعتدى عليها الجنود الأنجليز. أتدرون من هم هؤلاء الأطفال؟ ومن هى هذه الأم؟ فقال الجمهور: لا، فأجاب سرجيوس: (هم فئة الموظفين، و الأم هي مصر). عندئذ ثار الموظفون أمام سرجيوس، فقال لهم: “إظهروا شعوركم حِيالَ أمكم مصر”.

كما تميز سرجيوس بروح الدعابة والفكاهة وإنعكس ذلك علي خطابه الجماهيرى، حيث أدرك سرجيوس بذكاء مدى ولع الجماهير، المصرية بهذا الأسلوب الذى أستخدمه الكثير من الزعماء في مخاطبة الشعب المصرى، ففى إحدى المرات وقف سرجيوس علي رأس مظاهرة كبرى في ميدان الأوبرا، حيث طلبت منه الجماهير الحديث، لكن سرجيوس فاجأ الجميع بهتاف غريب إذ هتف قائلاً :” يحيا الانجليز” وأحدث هذا الهتاف صدمة شديدة في صفوف الجماهير، وزاد سرجيوس من حيرة الجماهير عندما أصر علي ألا يبدأ حديثه، إلا بعد أن تهتف الجماهير معه “يحيا الانجليز” وبطبيعة الحال .. فإن هذا الهتاف لا يتفق مع المناخ السائد في أثناء الثورة، وبرغم دهشة الجماهير فقد أصر سرجيوس علي ذلك، وبالفعل لم تجد الجماهير بُداً من الهتاف: ” يحيا الانجليز”، وهنا بدأ سرجيوس حديثه قائلاً: “نعم يحيا الانجليز، لأنهم استطاعوا بظلمهم واستبدادهم وفجاجتهم أن يجعلوا منا هذه الكتلة الموحدة المقدسة الملتهبة”. وهنا غرقت الجماهير في عاصفة من الضحكوهتف الجميع بحياة سعد والوطن.

ولم يقتصراستخدام سرجيوس لأسلوبه الشهير الجامع بين الدعابة والسخرية علي مخاطبة الجماهير، وإنما استخدمه أيضاص مع كبار الزعماء، حتى مع سعد زغلول نفسه، ففي السرادق الذى أعد لتكريم سعد زغلول بعد عودته من المنفي هتفت الجماهير بأسم سرجيوس ليلقى كلمة ترحيب بعودة سعد من المنفي. فوقف سعد زغلول داعياً سرجيوس لإلقاء كلمته قائلاً: “فليسمعنا خطيب الثورة كلمته”، وعلي عكس كل التوقعات وقف سرجيوس مخاطبا سعداً قائلاً: والله إنك لمجنون يا سعد!”، وبهت الجميع، بما فيهم سعد من هذه البداية الغريبة، إلا أن سرجيوس سرعان ما أستطرد قائلاً:” والله إنك لمجنون يا سعد، تُقدم علي دولة عظمى خرجت منتصرة من حرب عظمى، وتملك كل شئ، ولا تملك أنت شيئاً، ثم تنتصر عليهم أنت، والله إنك لمجنون يا سعد!” فوقف سعد ضاحكاً، وقائلاً: “مجنون والله أنت يا سرجيوس! “فضحك السرادق  كله بالهتاف والتصفيق.

لقطة من فيلم بين القصرين تمثل القمص سرجيوس وهو يعظ بالجامع الأزهر الشريف

أستمر سرجيوس في نشاطه الثورى إلي أن أصدرت السلطات البريطانية أوامرها بأعتقال سرجيوس في أبريل ١٩١٩، وفي البداية تم إلقاء القبض عليه من منزله بواسطة البوليس حيث أقتيد إلي قسم الأزبكية، ووفقاً لروايته أنتقل إلي المحافظة، ومن هناك إلي ثكنات الجيش الأنجليزى في قصر النيل، حيث بات فيها ليلة واحدة، وفي اليوم التالى قدم سرجيوس للتحقيق أمام ضابط إنجليزى كبير، حيث صدر بعد ذلك الأمر بنفي سرجيوس إلي رفح! مما أحدث ذلك العديد من ردود الأفعال، لعل أهمها أمتعاض الكنيسة القبطية من إلقاء القبض علي أحد رجالها، حيث أرسلت الكنيسة رسالة إلي السلطان أحمد فؤاد، إحتجاجاً علي أعتقال ونفي السلطات البريطانية للقمص سرجيوس. وأستندت الكنيسة في إحتجاجها إلي أن الاعتقال جاء علي غير المألوف في معاملة رجال الدين، ففي مثل هذه الاحوال يجب إخبار الكنيسة أولاً عن الأسباب التي تدعو إلي هذا الاعتقال “حسب القوانين المرعية والأمتيازات الخاصة برجال الدين”، كما أشارت الكنيسة إلي أنها السلطة الوحيدة التى يحق لها مساءلة رجال الدين، واعترضت الكنيسة علي تطبيق الأحكام العرفية – التي كانت سائدة آنذاك – علي رجال الدين، كما طلبت من السلطان أحمد فؤاد التدخل لدى السلطات البريطانية للإفراج عن القمص سرجيوس، وتسليمه للكنيسة لتنظر في أمره، إذا كان حقاً قد أخطأ.

وأرسل سرجيوس نفسه من منفاه في رفح رسالة احتجاج علي أعتقاله إلي الجنرال اللنبي المندوب السامى البريطاني في مصر، حيث رأى سرجيوس أن ما قامت به السلطات البريطانية من اعتقاله مخالف للتقاليد المتعارف عليها، حيث نصت الفرمانات العثمانية ان القسيس الذى يقترف ما يستوجب السجن، يسجن بالدار البطريركية. وسخر سرجيوس بأسلويه المعتاد من الموقف البريطانى قائلاً: ” إذا كان هذا منحة من الأتراك للأقباط، فهل تعتقل دولة الانجليز رجال الدين المسيحيين، وهي التي تتباهى بالمحافظة علي التقاليد وعدم التعرض للأديان”.

لكن كل هذه المحاولات لم تفلح في دفع السلطات البريطانية إلي الإفراج عن سرجيوس، وأستمر منفياً في رفح لمدة تقارب الثمانين يوماً، حيث كان يرافقه هناك العديد من زعماء الحركة الوطنية، سواء من الساسة مثل النقراشى باشا، أو العلماء مثل الشيخ مصطفي القاياتى.

ومع نهاية الثورة بدأ يخفت الدور الوطنى الذى لعبه سرجيوس، نتيجة التغيرات التي حدثت في الحياة السياسية المصرية بعد ثورة ١٩١٩، وبصفة خاصة بعد دستور ١٩٢٣، والتي بدأ بعدها تكوين الأحزاب المصرية والتنافس فيما بينهم وصولا للحكم، فضلاً عن الانقلابات الدستورية العديدة التي عانت منها مصر آنذاك.

وفي هذه المرحلة لم يكن لسرجيوس دور يؤديه في الساحة السياسية الجديدة ويرجع ذلك في المقام الاول إلي كون سرجيوس رجل دين، وبالتالي فمن الصعب عليه الانضمام لأحد الاحزاب السياسية، والإنخراط في فعاليته، يضاف إلي ذلك شخصيته التي تتسم بقدر كبير من الاستقلالية وروح الثورة وعدم الانقياد للآخرين، فهو يعتبر نفسه زعيم ومن هنا يصعب علي سرجيوس أن ينطوى تحت لواء زعيم آخر حتى ولو كان سعد زغلول نفسه.

وأهم من كل هذا فأن القضية الأساسية التي أعتبرها سرجيوس شغله الشاغل، وهي الوحدة الوطنية – الباب الذى دخل منه إلي ساحة العمل الوطني – لم تعد بعد ثورة ١٩١٩ القضية الوطنية الأولي، إذ تراجعت مكانة هذه المسألة وراء العديد من القضايا الوطنية الأخرى، مثل الاستقلال التام، الجلاء، المفاوضات المصرية البريطانية، مشكلة دستور ١٩٢٣، والانقلاب عليه بدستور ١٩٣٠ ثم المطلب الوطني بالعودة إلي دستور ١٩٢٣، يضاف إلي ذلك الصراعات الحزبية، فضلاً عن علاقات الصراع والوفاق بين أعمدة السياسة المصرية: الإنجليز – القصر – الوفد.

وفي ظل هذه المتغيرات السياسية العديدة لم يجد سرجيوس مكاناً له علي الساحة السياسية المصرية، ولما كان من الصعب عليه أن يبقى بلا دور، وكانت الطائفة القبطية تعانى آنذاك العديد من المشاكل الداخلية، والصراع المزمن بين الكنيسة والمجلس الملى، والاصلاح القبطي يمر بأصعب مراحله، انكفأ سرجيوس علي المشاكل الداخلية للطائفة، وشغلت معظم وقته ومجهوده وأهتمامه.

وفي عام ١٩٣٦ عاد سرجيوس لنشاطه السياسي أثناء تخبط وأهتزاز الحياة السياسية المصرية، ودخل في عداء شديد مع الوفد وزعيمه النحاس ومكرم عبيد بأعتباره رمز الوحدة الوطنية، حيث يرى الوفد نفسه العباءة التي تلتف حول الأمة المصرية، في حين كان سرجيوس يعتبر نفسه “أول من نادى بأتحاد عنصرى الأمة”.

ونكاية في الوفد وقف سرجيوس إلي جانب “الهيئة السعيدية” في صراعها الدائب مع الوفد، وكان كل من النقراشى وماهر عند سرجيوس أفضل من النحاس. كما دخل سرجيوس في مجادلات عنيفة مع الإخوان المسلمين، إذ رأى فيهم السبب وراء تبدد روح “الوحدة الوطنية” التى خلفتها ثورة ١٩١٩، غير أن هذه المجادلات أخذت شكلاً دينياً أكثر منه سياسياً، فسرجيوس في المقام الأول رجل دين أدى دوراً سياسياً، والإخوان المسلمون جماعة دينية ذات أهداف سياسية، من هنا شهدت الساحة المصرية سلسلة من المجادلات الدينية العنيفة بين الاثنين، شجع عليها الصبغة التى أتسمت بها الحياة المصرية آنذاك، إذ شهدت فترة نهاية الثلاثينيات وبداية الاربعينيات أزدياد دور جماعات التبشير في المجتمع المصرى، ومحاولات بعضها لتحويل المسلمين إلي المسيحية، وظاهرة اهتمام بعض كبار الكتاب المصريين بالاسلاميات، وصاحب ذلك ازدياد الحمية الدينية عند بعض كبار المشايخ نتيجة ظهور كتابات تبشيرية تناهض الاسلام، فقام فقام هؤلاء المشايخ بتصنيف العديد من المؤلفات في نقد المسيحية، وللأسف أنغمس سرجيوسفي هذا الجدل العقيم، حيث نشر العديد من المقالات في مجلته المنارة رداً علي نقد بعض العلماء للمسيحية، وقام بجمع هذه المقالات بعد ذلك في كتب عديدة. وأدى ذلك إلي الباس سرجيوس ثوباً طائفيا، وساعد هو نفسه من حيث لا يدرى في تأكيد ذلك، إذ قبل سرجيوس في عام ١٩٣٥ من المجلس الملي القبطى وظيفة “المرشد” للمسيحيين الراغبين في التحول إلي الاسلام،. ومن هنا لم يكن غريباً أن تتصاعد حدة المجادلات الدينية والصحفية بين سرجيوس والأخوان المسلمين حيث حملهم سرجيوس مسئولية اضطهاد الأقباط، ووصل الأمر إلي أن يقود حسن البنا بنفسه حملة عنيفة ضد سرجيوس بمقال شهير تحت عنوان “بالتي هى أحسن، إلي القمص سرجيوس” ويذكر سرجيوس أنه كان من أوائل من طالب الحكومة المصرية – منذ ظهور الإخوان – بضرورة التخلص منهم، حيث رأى فيهم خطراً يهدد البلاد.

ونتيجة لشعور سرجيوس بتزايد ونمو التيار الاسلامى وإحساسه بأن هذا التيار إذا نجح لن يجد سرجيوس نفسه، أو حتى الأقباط مكاناً لهم في مصر مما جعله يكتب عام ١٩٤٩ في مجلته ” آه أين أذهب أنا سرجيوس بوجهى، لأني ناديت وبح صوتي، طالباً خروج الانجليز من مصر ويتركوننا نحن القبط مرة أخرى تحت رحمة من لا يرحمنا؟!، وماذا أقول لهم، وها نحن نتلقي نجدة ديننا وحريتنا علي أيديهم، تكشفوا يا تلاميذ حسن البنا أقيموا الدليل علي أنكم لا تصلحون لإدارة هذه البلاد، وأن الانجليز ألزم لحفظ حضارتها وحريتها وسعادتها منكم”.

وفي عام ١٩٤٩ أعلن القمص سرجيوس عن ترشيح نفسه لعضوية مجلس النواب عن دائرة الشماشرجي في شبرا، وبرر سرجيوس نزوله إلي الساحة الانتخابية بأنه نزولاً علي إرادة الكثير من أبناء شبرا، مما أثار هذا الترشيح عديداً من الأسئلة في كواليس السياسة المصرية، عن السر وراء تلك العودة الجريئة للقمص سرجيوس إلي الحياة السياسية، ورد سرجيوس علي ذلك بأن الباعث الذي دفعه إلي المساهمة في الحركة الوطنية في ثورة ١٩١٩ هو الذى دفعه إلي أن يترشح لعضوية مجلس النواب، وفسر ذلك بأنه طرأت علي الساحة السياسية عناصر سياسية جديدة لها آراء متطرفة من شأنها أن تقضى على النتائج التى تحصلنا عليها بمجهودنا في أيام الثورة، وقد أخذ علي عاتقه أن يحارب هذه الروح الرجعية البغيضة”. وأكد أنه سيعمل من أجل مصر كلها، وإنه كرجل دين بالطبع سيعمل علي الدفاع عن طائفته وإصدار تشريعات لصالحها. ولكن مع نهاية قرب هذه الانتخابات دخل سرجيوس في صفقة إنتخابية مع الوفد لصالح مرشحها في ذلك الوقت في أن يتنازل سرجيوس عن انتخابات مجلس النواب في مقابل تعينه بمجلس الشيوخ، وهذا ما لم ينفذ من جهة الوفد وخسر سرجيوس حربه الانتخابية ضد الوفد بالمكر والخديعة.

ومع بداية حكم الملك فارق أستبشر المصريين خيرا بالملك الشاب، وبالطبع لم يخرج سرجيوس عن إجماع الأمة حول عقد الأمل والرجاء في الملك الشاب، وأستغل سرجيوس فرصة زواج الملك فاروق ليعبر له عن ولائه في مجلته مهنئاً جلالتهما، كما نظر سرجيوس إلي الملك علي أنه رمز مصر الذي يمكن أن يلتف حوله المصريون جميعاً بصرف النظر عن اختلاف هويتهم الدينية، ويقول في ذلك “إن أصحاب الديانات الثلاث جمعهم عيد واحد وهو عيد ميلاد جلالة الملك فاروق”.

ولكن كرجل سياسي سيتغير موقف سرجيوس تجاه الملك مع التغير المهم والخطير الذي ستشهده مصر في نظامها السياسي بقيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، فبعد أسبوع واحد من طرد الملك فارق، يكتب سرجيوس مرحباً بالثورة قائلاً: “يلمس المصريون قاطبة روحاً طيبة ترفرف علي البلاد التي بوركت منذ القديم من الله القائل “مبارك شعبي مصر”. هذا الروح ينطق علي كل لسان وشفة ينادى في الافراد والجماعات والاحزاب والهيئات علي أختلاف نزعاتها طالبا ملحاً بالاصلاح والتطهير والتحرير”.

ولكن بعد ١٩٥٢ لم يدم شهر العسل القصير بين الثورة والأقباط لمدة طويلة، إذ ظهرت آنذاك بعض المنشورات القبطية التي تدين “حركة الضباط الاحرار”، وتتهمها بأنها علي صلة بجماعة الاخوان المسلمين، وزاد من تعقد العلاقات بين الثورة والأقباط، عدم معرفة هؤلاء الضباط بالمشاكل الحقيقية للأقباط، وفي وسط هذه المشاكل كانت الثورة مشغولة بتأكيد سيادتها الداخلية، ومشاكل الجلاء والعلاقات الخارجية، ولم تول الثورة أهتماماً كبيرا بالمسألة القبطية ولا سيما مع أزدياد الخلافات القبطية الداخلية، وأدارت شئون الأقباط من خلال التكنوقراط الاقباط.

ولم يرضى سرجيوس عن ذلك سوى إبعاد يوساب الثانى البطريرك عن كرسيه، وفي مقاله الشهير عن ذلك قال إن حركة يوليو مثلها مثل العهد السابق لم تقدم جديداً في شأن الاقباط، وهنا كانت النهاية للنشاط السياسي لسرجيوس، فلم يدرك يدرك سرجيوس تغير الأوضاع السياسية بظهور ثورة يوليو، وإن النقد المقبول سابقاً لم يعد في الامكان قبوله، إذ أغلقت الثورة مجلته المنارة لتنتهي بذلك حياة أحدى أهم الدوريات القبطية، كما أمرت وزارة الداخلية سرجيوس بالالتزام بمنزله.

ومع التقدم في السن سمحت له الثورة عام ١٩٥٩ بالوعظ في الكنائس دون التحدث في السياسة، وأشتد عليه المرض في سنواته الاخيرة إلي أن توفي يوم السبت ٥ يونيو ١٩٦٤ عن عمر يناهز ٨١ سنة، وسارت جنازته من منزله في شبرا إلي الكاتدرائية المرقسية بكلوت بك يحيط بها المئات من المشيعيين من المسيحيين والمسلميين ونشر في الاهرام وقتها أنه فقية الشعب المصرى كله، تاركا لنا أرث وطنى وكنسي كبير تتحاكي به الأجيال.

Post a comment

Facebook Comments