سلامة موسى رائد الفكر والتنوير


في ذكراه الستين نادر حبيب يسترجع حياة سلامة موسي


على بعد خطواط قليلة من محطة مصر، أقامت جمعية الشبان المسيحية في مقرها بشارع الجمهورية، ندوة مهمة في ذكرى سلامة موسى الذي تمر على وفاته ٦٠ عاما، لم يتذكره الكثيرين على مدار هذه السنوات الطويلة، وقد أختلف فيه الكثيرون أيضاً، فمنهم من هو معجب به وبكتاباته المتنورة المبتكرة وبأفكاره الغير تقليدية وطريقته في الحياة، وآخرين نظروا إليه إنه ملحد وكافر وماركسي وذو أفكار تهدد المجتمع.

من اليمين، رامي عطا، المحرر، مارسيل مكرم، فايز فرح، محمد عطية

من اليمين، رامي عطا، المحرر، مارسيل مكرم، فايز فرح، محمد عطية

تقول مارسيل مكرم رئيس جمعية الشبان المسيحية أن سلامة موسي هو من الشخصيات التى أثرت الجمعية بشكل واضح إلى يومنا هذا، وترك لنا أكثر من ٤٠ كتابا من مؤلفاته في مكتبته والتى تحمل أسمه التى نتشرف بوجودها داخل الجمعية هذا بالأضافة إلى التمثال النصفي الوحيد له في مصر والعالم كله والذي نحافظ عليه كقطعة من الجواهر التى لا يمكن أن تعوض فهو بحق رجل عصره فهو علم الكثيريين الفكر المستنير الحقيقي الذي نتمنى أن يعود إلى ربوع الوطن.

أما محمد عطية نائب رئيس تحرير الاخبار وأحد المتحدثين بالندوة فيؤكد أننا أمام مفكر تم إهدار حقه تماماً، وإعادة إحياء ذكراه هو شئ مهم جداً حيث أن سلامة موسى هو علامة من علامات الفكر المصرى، وعاش بروح المناضلين من أجل الثقافة، واللغة، والحريات وكتبه لاتزال منارة للمثقفين من حيث اللغة والفكر.

وفي كلمته بالندوة يقول رامي عطا أستاذ الاعلام بأكاديمية الشروق، أن سلامة موسي الذي خدم الصحافة والتأليف نحو خمسين عاماً يعتبر من أبرز الكتاب الصحفيين المجددين بما قدمه من رؤى وأفكار شملت الكثير من مجالات الثقافة والمعرفة الانسانية، حيث كان كاتباً عميقاً ومفكراً شاملاً ومثقفاً موسوعياً، وكان ركنا من أركان إثراء الفكر المصرى، فقد آمن بضرورة الوصول إلى الرأى العام ومخاطبته وتنويره.

جزيرة فهمى مسئولة مكتبة سلامة موسى

جزيرة فهمى مسئولة مكتبة سلامة موسى

بعد الندوة بأسبوع كنت قد قمت بتحديد موعد مع أمينة المكتبة الخاصة بالجمعية، وكان شغفي شديد بالدخول للمكان الذي كان يجلس فيه سلامة موسى، وذلك لأني أعتقد أن بصمات الانسان المعطاء تظل بالمكان حتى بعد رحيله طالما أن من بعده حافظوا على عمله، لقد دخلت المكتبة في الدور الثانى من مبنى الجمعية وقد حملت غرفة المكتبة أسم “مكتبة سلامة موسي” وكان المكان يدل على عراقة التاريخ بكتبه القديمة ورائحة الورق المميزة، وهناك في منتصف الغرفة جلست أمينة المكتبة في أنتظارى تستعد للتكلم عن سلامة موسى عملاق الفكر الحر.

تقول جزيرة فهمي مسئولة مكتبة سلامة موسى، إن هذه المكتبة قد أنشأها سلامة موسي وكانت فكرته في الاساس، وقد تبرع بكتبه الخاصة للمكتبه لتكون نواة ومركزا ثقافيا لأجيال عديدة في وقت لم تكن فيه الثقافة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، وبها العديد من الكتب بنسخها الاصلية من مؤلفاته التي تقترب من ال٤٠ مؤلفاً هذا بالاضافة إلي كتاب عن سلامة موسي نفسه ألفه أبنه رؤوف.

وفي إيمان منها بأهمية المفكر التنويرى سلامة موسي، تقول جزيرة أنها لا تستحق أن تجلس مكان هذا العملاق الذى فتح آفاق جديدة للفكر والحرية لم يعهدها من قبله أو من في عصره، فقد كان يعمل في جمعية الشبان المسيحية منذ ١٩٢٣ كمتطوع وحتى ١٩٥٨، أقام خلالها ندوات ثقافية وعلمية وإجتماعات كل يوم وكل ذلك تطوعاً في هذا المكان، وأعطى الكثير، وكتاباته تدل على أنه إنسان راقى بمعنى الكلمة، وكان سكرتير الجمعية في ذلك الوقت الاستاذ نجيب قلادة، الذى قرر إعطاءه مكافأة تقدر بأربعة جنيهات والتى قد وصلت قبل وفاته إلي ٢٠ جنيه، ومن أهم من حضروا لهذه الندوات الكاتبة الكبيرة مى زيادة التي جمعتهم صداقة كبيرة وخاصة أن الاثنين من سكان نفس الشارع “شارع الفجالة” حتي أنها كانت تستعين به في بعض مؤلفاتها ومقالتها، صداقة رائعة بين أثنين من الكتاب.

لقد كانت هذه الندوات المعمل الذي جرب فيه سلامة وصقل بعضاً من مؤلفاته، والتى جعلها كتباً بعد أن حاضر فيها أعضاء ندوته، وناقش معهم مواضيعها وأفكارها، وتلمس أهتمامتهم وأعتراضاتهم، وكان من أهم هذه الكتب: الشخصية الناجحة، فن الحب والحياة، التثقيف الذاتي، ومحاولات، وكان من تلاميذ سلامة في ندواته، عزمي الدويري، سامى داود، رشدي سعيد، علي فؤاد، عبد المنعم شوقي وميلاد حنا وعبد الرحمن الخميسي وسيد عويس.

وفي خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، منعت إدارة الأمن العام سلامة من إلقاء محاضراته، ما لم تكن مكتوبة ومصدق علي صفحاتها من وزارة الداخلية، فكان سلامة يكتب حديثه، ويرسله لرقيب الداخلية الذي يصدق عليه، ثم يرسل له مندوباً كي يراجع عليهما يقرأ، مما جعل سلامة يتوقف عن إلقاء محاضراته فترة.

التمثال الوحيد الذي خلد ذكري سلامة موسي يتوسط كل من الاعلامى المبدع فايز فرح ومحمد عطية نائب رئيس تحرير الاخبار

التمثال الوحيد الذي خلد ذكري سلامة موسي يتوسط كل من الاعلامى المبدع فايز فرح ومحمد عطية نائب رئيس تحرير الاخبار

ولمعرفة سلامة موسي هناك ثلاثة كتب مهمين جدا، كتاب ألفه هو بنفسه تحت عنوان “تربية سلامة موسى” والذي يندرج تحت بند السير الذاتية والكتاب الثانى هو “سلامة موسى.. أبي” الذي كتبه روؤف، أما الكتاب الثاث فهو “فكر سلامة موسى وكفاحه” للإعلامى فايز فرح الذي لخص لنا حياته وأهم الاحداث التى مرت عليه في وجبة دسمه لن تستطيع أن تترك الكتاب دون أن تنهيه بين ليلة وضحاها.

في مقدمة كتابه تربية سلامة موسي كتب يقول ” ميلاد كل منا هو مغامرة مع القدر، نخرج إلي العالم بكفاءات وراثية لا تتغير من أبوين لم نختارهما، ونعيش في وسط، تتكون فيه نفوسنا وتملى علينا فيه العقائد وطرز السلوك قبل أن نستطيع أن نغيره. ثم تتوالى علينا الحوادث التي تقرر اتجاهاتنا في الحياة وتقع بنا اكوارث التى نتكيف بها وننزل على مقتضياتها. وعلى الرغم من أننا جميعاً نصاغ في قالب البشرية، فإن كلاً منا فذ في هذه الدنيا قد كتبت حظوظه قبل أن يولد، إن خيرا وإن شراً. ولذلك فإن قصة كل منا هي قصة فذة مفردة تستحق أن تروى وتقرأ.”

لقد ولد سلامة موسي في ٤ يناير ١٨٨٧، بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية في أسرة يعود أصلها إلي أسيوط، وكان والده شديد الثراء لأنه كان من كبار موظفي الحكومة فكان بجانب مرتبه، يملك أكثر من مائة فدان من أجود وأفضل الأراضى، ولكن لسؤ الحظ ورغبة الزمن في وضع لمساته العجيبة علي حياة تلك الأسرة فقد توفي الاب وسلامة عمره سنتين، فنشأ سلامة في بيت لا يزوره ضيف، إلا إذا كان من الأقارب فقط، وهذا جعل من الطفل شديد الانطواء، وكما يقولون رب ضارة نافعة، فقد بعده هذا الانطواء عن أصدقاء السوء وجعل من الكتاب سمير في شبابه.

ألتحق سلامة بالكُتاب ليتعلم، مثله مثل أقرانه في هذا الزمان، حيث لم تكن هناك مدارس في الزقازيق، ولكنه لم يستفد منه سوى حفظ بعض الصوات، حتى أنتقل إلي مدرسة الدولة، عندما أنشئت أول مدرسة في بلدته، وسلامة كان طفل شديد الملاحظة والتقاط السلبيات التى يعيش بينها، ومن تلك السلبيات التي أثرت في نفسه طوال حياته هى أنه عاش بخُرم في أذنه لأن والدته كانت تخاف عليه من الحسد فعلقت قيراط في أذنه إيهاماً من حولها أنه بنتاً وليس غلاماً، وكذلك تذكر تلك العلقة التى أخذها عندما حاول أن ينادى أخته في الشارع بأسمها وكان هذا عيباً في ذلك الزمان وخارج التقاليد، كل هذه السلبيات وغيرها ألتقطها في عقله الباطن وستكون شغله الشاغل عندما يكبر ليحلها وغيرها في المجتمع المصرى.

حصل سلامة علي الشهادة الابتدائية عام ١٩٠٣ وهذا أجبره للذهاب إلي القاهرة للألتحاق بالمدرسة الخديوية الثانوية، مما ساعده عليإشباع هوايته ورغبته الشديدة في القراءة، فقد كان بها كل المجلات والصحف والكتب التى يريدها، وأنكب علي قراءة مجلتى “المقتطف والجامعة” بل كان يشترى الاعداد القديمة منها وعرف من خلالها طريقة التثقيف الذاتي، وأشترى كتب فرح أنطون، التي عرفته بالادب الفرنسي، أدب الثورة والتمرد والعقل، فقرأ أدب فولتير وروسو وديدرو وبرناردان وموباسان بيير والكسندر دوماس ونيتشه، كما قرأ جريدة اللواء التى تعبر عن الحزب الوطني وجريدة الجريدة وأعجب بدعوة أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد الذي مهد لثورة ١٩١٩، وجمع الامة علي رآى موحد في الوطنية. ويقول سلامة عن هؤلاء الثلاثة ـ يعقوب صروف، فرح أنطون ، لطفي السيد – ” هؤلاء الثلاثة من الشخصيات التى صاغت شخصيتى الثقافية الذهنية، فأن الأول وجهنى إلي طريق العلم، والثانىبسط لي الآفاق الأوربية للأدب، والثالث جعل من المستطاع لي، بوصف أني غير مسلم، أن أكون وطنياً في مصر”.

وقضى سلامة سنوات دراسته في نكد وتخلف، فلا يستطيع أي مصرى ألتحق بالمدارس المصرية الابتدائية أو الثانوية الرسمية فيما بين السنوات ١٩٠٠ إلي ١٩٢٠، أن يقول أنه كان هنيئاً مستريحاً سعيدا بالحياة المدرسية. فقد كانت هذه المدارس عبارة عن ثكنة مثل ثكنات الجيش، أهم ما فيها الطاعة العمياء والنظام العسكرى. كذلك لم تكن هناك أى ألفة بين المدرس والتلميذ، أو تفاهم من نوع ما، حتي أنه كان العام الدراسي يمر، والتلاميذ لا يعرفون أسم المدرس الانجليزى المتغطرس المتكبر، الذي كان يعاقب أى تلميذ لأقل وأتفه مخالفة.

لقد كانت تلك الايام التي قضاها سلامة في المدرسة حافلة ببشائر المستقبل، فقد شاهد فيها لأول مرة الاوتومبيل، بجانب بقاء القديم علي حاله، ومظاهره واضحة جلية، فقد كان السقاء يحضر الماء في قربته رلى البيوت، كما كانت الحمير تنقل الناس من مكان لآخر، لأن الترام كان يسير في شوارع قليلة، وكانت الصحف المقروءة ثلاثاً، اللواء الذي كان يحرك الامة إلي المطالبة بالجلاء، ويقرؤه جميع الشبان، والمؤيد الذي كان يريد الخديو، ويقرأه أبناء الاتراك والمحافظون من المصرين والمقطم الذي كان يؤيد الانجليز، ويقرؤه الموظفون، وبالطبع هذا التنوع الراقي يظهر مدى التبلبل السياسي والاجتماعي الظاهر والواضح في المجتمع، ولكن هذا لم يمنع الشباب من جيل سلامة من الالتفاف حول الزعم مصطفي كامل الذي طالب بالحرية والأستقلال، لقناعته بأهمية أن تكون مصر للمصريين وخاصة في أواخر أيامه بعد أن أكتشف أن الخديو العثماني لا يقل عن المستعمر الانجليزى.

ولان سلامة كان شاباً وطنياً مثقفاً، يشعر بإنتمائه وحبه للوطن، ولا يسمح لأعداء بلاده بنشر الظلم وقتل الابرياء، فقد توقف عن تناول الطعام لعدة أيام بمجرد معرفته بالحكم الذي صدر علي الفلاحين بحادثة دنشواى الشهيرة، وظلت عالقة في ذهنه طوال حياته.

عندما وصل سلامة لسن الشباب لم يحتاج إلي البحث عن وظيفة من أجل لقمة العيش، فقد كانت أسرته موسرة، وكان قد ترك له أبوه ميراثاً حوالي ٢٥ أو ٣٠ جنيهاً شهرياً، وهذا الدخل دفع سلامة إلي عدم البحث عن وظيفة خاصة أن دخل الشاب الحاصل علي دبلوم كان يصل لثمانية جنيهات وقتئذ، ولكن كان ينغص عليه معيشته بعض المشاكل العائلية والمشاكل المدرسية، والاستعمار فقرر الفرار إلي خارج البلاد ليعيش ويرى ويتعلم ماهية العالم الجديد، لقد أراد أن يتعلم في أوربا بطريقة حديثة تعوضه عن نكبة التعليم في مصر.

عندما وصل سلامة لباريس عام ١٩٠٧ أصيب بصدمة حضارية لم يكن يتوقعها، فبالرغم من أنه قرأ عن باريس ولكتابها وكذلك قرأ ما كتبه رواد التنوير في مصر عن الحضارة الفرنسية، مثل الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى، وقاسم أمين، والشيخ محمد عبده وغيرهم.. إلا أنه وجد هناك فرق كبير بين أن تقرأ عن مكان وتقوم بزيارته، لقد كانت باريس بالنسبة لسلامة مدينة وعاصمة نور المعرفة والفكر، وليست مدينة الملاهى والجنس، حيث كانت شهوته الحقيقية الملتهبة خلال هذه الفترة ذهنية، أكثر مما كانت جنسية.

لقد صدمته الحضارة والحرية، وجعلته إنساناً أوربياً في تفكيره، وأدهشته احترام المرأة في المجتمع الفرنسي، وتمتعها بالحرية والانطلاق وهذا ما دفعه لمقارنتها بالمرأة المصرية، التى تئن تحت البرقع الذي يخفي وجهها، والذي يحرمها من التعليم والعمل، أو علي الأقل محادثة الرجال والاختلاط بهم، وأعجب سلامة بالشعب الفرنسي، فهو لم يجد طوال إقامته في باريس رجلاً سكراناً، والريف الفرنسي جنة للعين، فمهما صغرت، فتجد فيها المطعم والحانة والفندق والسوق الاسبوعية، والبيت الفرنسي يشبه في كثير من الأحيان متحفاً يحوى كثيرا من التحف القديمة الغالية. لقد جعلت رحلة باريس سلامة أوربي التفكير فهو بدأ يفكر بموضوعية، ويؤمن بتحرير المرأة وتحرير العقل من كذب الغيبيات التي كان يقبع فيها المجتمع المصرى في ذلك الوقت.

عاد سلامة إلى مصر ليمكث فيها لمدة شهرين ثم عاد وسافر إلي لندن وكان مخطط لها أن يظل هناك لمدة سنتين ثم يسافر إلي ألمانيا ويتعلم اللغة الالمانية، حيث كان يعتقد أن تعلم هذه اللغات الثلاث الانجليزية والفرنسية والالمانية تكفل له التواصل مع العالم الجديد المتمدن كله جملة وتفصيلاً، وفي لندن حاول تعلم الالمانية لكن لسؤ حظه الطريقة التي أتبعها المعلم، مع صعوبة اللغة نفسها، دفعاه إلي التوقف عن دراستها، وبدلا من أن يعيش في لندن المدة التي كان قد حددها لنفسه، بقي هناك لأربعة سنوات قرر خلالها أن يغوص في المجتمع الانجليزى ويعايشه ويتعلم منه.

من حسن حظ سلامة أنه عاش في أنجلترا في فترة سياسية وفكرية هامة، هي أشبه بثورة فكرية ففي ١٩١٠ قامت مظاهرات النساء للمطالبة بحقوق الانتخاب، وكان بعض مظاهراتهن عنيفاً، أشتبكن فيها مع رجال الشرطة وفي نفس الوقت أنتشرت دعوة العقليين وكتبهم، وكذلك نشطت الدعوة للإشتراكية، وهكذا ساهمت الثقافة الانجليزية في دفع سلامة علي الشك في القيم والأوزان الاخلاقية والرحية، والتحرر من القيود الاجتماعية، فخرج لأول مرة إلي شوارع لندن عارى الرأس بلا قبعة، إحتجاجاً علي تقليد إرتداء القبعة!.

لقد كانت السنوات ما بين ١٩٠٧ و١٩١١، هي سنوات الجمع والتحصيل والاعداد والقراءة عند سلامة، فقد تعرف علي برنارد شو، الذي كان يبحث الهموم والاهتمامات العصرية بالذهن العلمي في ضؤ المستقبل، وكذلك قرأ لنيتشه ليتعلم منه الاقدام الفلسفي، والبعد الكلي عن الغيبيات، وكذلك إبسن وروايته “بيت الدمية” التي أظهرت وضع المرأة الأوربية الحقيقي، في أنها ليست حرة كما هو واضح علي سطح المجتمع ولكن في الحقيقة كانت تعامل كاللعبة أو الدمية دون إستقلال لشخصيتها أو مساوتها بالرجل، وكذلك في قرأته للأديب ه.ج. ولز تعلم سلامة أن المستقبل سيغير المجتمع في نظمه وأخلاقه، لأن الآلات قد أحدثت قوات إقتصادية جديدة، سوف تضطر شعوب العالم إلي أن تكون أمة واحدة، فالعالم هو قريتنا الكبرى والمثقف الحقيقي سيصبح مواطناً عالمياً، كما هو مواطناً في بلده، أما تشارلز دارون فله أهمية كبري عند سلامة حيث أثر عليه بكتابه أصل الانواع ودرس علي أثره البيولوجيا والجيولوجيا والسيكولوجيا، أما كارل ماركس فقد لعب دورا هاما في حياة سلامة الفكرية لدرجة أنه قال، أنه لا يمكن لأحد أن يعتبر نفسه مثقفاً دون أن يقرأ ماركس، ويأتي سيجموند فرويد ليختم هؤلاء المفكرين في التأثير الذهني عند سلامة، فقد تعلم منه أهمية السنوات الأولي وأيام الطفولة في تكوين شخصية الانسان.

يقول رؤوف سلامة في كتابه “سلامة موسي أبي”: “كان سلامة موسي يعيش عيشة خشنة صارمة، تكاد تخلو من الزيادات أو الرغبات، فهو يقبل هذا لأنه واجب وضرورى، وهو يأكل ذلك لأنه يفيده، وهو لا يضيع وقته في سخف القول أو الحديث، أو لمجرد التسلية أو زج الفراغ، وهو لايذهب إلي السينما”

كانت لسلامة موسي مواقفه المضادة لللأفكار السائدة في عصره، ورغم إزدهار الثقافة في ذلك العصر، إلا أن حظه من الانتشار لم يكن مثل بقية الرواد، فتعرض لأزمات مالية اضطرته لأن يبيع مكتبته أكثر من مرة، وكان هو الوحيد الذي أراد إنشاء دار للنشر، ولم يتعرض الرواد لهذه التجربة القاسية. ومع ذلك ظل سلامة معتزاً بنفسه ومحتفظاً بأخلاقه العالية وطيبة قلبه، وحنوه علي عائلته.

ولسلامة مواقف شجاعة ذكرها نجيب محفوظ في كتاب إبراهيم عبد العزيز مؤلف كتاب “أساتذتي” : ” عندما سجن العقاد، كان يذكر به القراء في كل عدد من “المجلة الجديدة”، رغم ما بين سلامة موسي والعقاد من  خلافات فكرية. وعندما طرد طه حسين من الجامعة، دافع عنه سلامة موسي في “المجلة الجديدة” التي كان يصدرها، فكتب في عدد أغسطس ١٩٣٤ مُتنبئاً بأنتصاره أمام الديكتاتورية وقائلاً: إن البيئة الاجتماعية التى إختمرت فأنبتت طه حسين، مستطيعة أيضاً أن تنبت مثله يدعو بدعوته إلي التجديد، والامة مُصرة إصراراً لا شك فيه علي أنها تريد أن تعيش في القرن العشرين وأن تكون بمزاجها الذهني سواء في الاجتماع أو السياسة أو الأدب، مزاج أبناء هذا القرن، وإذا كان أحد يظن أن طه حسين وزملاده من الأدباء قد أنهزموا أمام الرجعية الواثبة، فهو مخطئ وهو يأخذ بالظواهر. وهو إذا تأمل، لم يجد بدا من الاعتراف بأن هؤلاء منتصرون، وإن لم يكن اليوم فغداً.

لقد كان سلامة من أوائل من نبهوا إلي الخطر الصهيونى في فلسطين، فعلى سبيل المثال نقرأ في مجلته بعدد يونيو ١٩٣٤ مقالاً تحت عنوان “الصهيونية في فلسطين” .. “لمن المستقبل .. لعرب أم اليهود؟” وهذا المقال يعتبر نبوءة لما حدث بعد ذلك من “هزيمة محققة” هكذا بالنص، حين وصل سلامة في مقاله إلى نتيجة مؤكدة: ” فليس هناك شك إذن في أن المستقبل أسود” ولكن هذه النتيجة لم تكن دعوة لليأس، بقدر ما هي دعوة للحذر والاستعداد، أو كما ذكر المقال بالنص: ” ليس معنى هذا الكلام أن ليس له علاج. فإن العرب يجب أن يتلافوا الهزيمة المحققة، بأن يتخذوا جميع الاسلحة التي يحاربهم بها اليهود، من تقدم زراعي وإجتماعي وإقتصادى”. أى أن سلامة كان يرى أن الصراع العربي الاسرائيلي ليس صراعا “عسكريا” ولكنه صراع “حضارى”، وهي رؤية متقدمة جدا قبل زمانها بوقت طويل.

كذلك لقد كان سلامة من أوائل من تنبأ بالعولمة قبل حدوثها حين قال ” في العالم اليوم ثقافة عالمية بشرية جديدة تختمر، وعن قريب ستتبلور، ثم سوف تتجوهر مبادى أو ديانة عامة، نؤمن بها جميعاً، ونقول أن هذا الكوكب هو وطننا هو قريتنا التى يجب أن نجوب شوارعها ونعرف أزقتها، وطن عالمى جديد كبير، يلغى هذا العالم المجزء، أو هذه الأوطان القديمة”.

في عام ١٩١٤ أستطاع سلامة إصدار العدد الأول من مجلة “المستقبل” فكانت أول مجلة علمية أدبية تصدر في مصر، ودعا فيها للحب ونبذ التفرقة، في حين كان الناس يعيشون في حمي الطائفية والتعصب، ووقف بمجلته يحارب التفرقة والتعصب التي ذرعها المستعمر الانجليزي في جنبات الوطن، ولكن بعد صدور ١٦ عددا كان يبث فيها رسالته وأفكاره من خلالها، صدر أمرا بتعطيلها من حكومة الاحتلال وقتذاك، ولم تسمح له بالاستمرار، ومن خلال مشاركته في مجلة الهلال كان سلامة اول من دعي للاحتفال بالعيد الالفي للأزهر ١٩٢٨

كان سلامة هو مؤسس ورئيس جمعية “المصرى للمصرى”، ولكن للأسف دعوته للأهتمام بالصناعة المصرية لم تعجب البعض، بل وقف بعض الانتهازيين ضد زعامته فيها، فتم ترشيح رئيس آخر للجمعية، وتغير إسمها إلي ” جمعية الاستقلال الاقتصادى” ثم أغلقت.

كان سلامة يشعر بالخزى والخجل عندما يسير في شارع ٢٦ يوليو ولا يجد متجراً واحدا يبيع الانتاج أو الملابس المصرية الصنع، بل كل المتاجر كانت تبيع الانتاج الانجليزى أو العالمي، أما الإنتاج المصرى فكان يباع في شارع الموسكى وشوارعها وحواريها القديمة، ومن هنا دعا سلامة إلي إنشاء متجر في شارع فؤاد لا يبيع غير المصنوعات المصرية، ولما قرأ الاقتصادى الكبير طلعت حرب هذا الأقتراح، بعث إلي سلامة، وقابله وناقشه في إقتراحه وساهم كأحد أعضاء جمعية “المصرى للمصرى” في المشروع بمبلغ ألف جنيه، ونشر صورة الشيك في الصفحة الأولى من إحدى المجلات التى كان يصدرها، وكان هذا العرض وهذه الفكرة هي نواة المتجر القائم الآن بأسم “شركة بيع المصنوعات المصرية” في شارع ٢٦ يوليو.

سلامة وأسرته كاملة بمصيفها بالمندرة في الاسكندرية سبتمبر ١٩٣٨، وبالرغم من مناداته بتنظيم النسل لرفاهية المجتمع إلا أنه كان يحب الأطفال بشكل كبير

سلامة وأسرته كاملة بمصيفها بالمندرة في الاسكندرية سبتمبر ١٩٣٨، وبالرغم من مناداته بتنظيم النسل لرفاهية المجتمع إلا أنه كان يحب الأطفال بشكل كبير

لقد ناقش سلامة العديد من الموضوعات الاجتماعية منها التأمين علي العمال وعمل نقابات لهم، وكذلك كتب عن تحديد النسل، وهو أول من دعي إلي إقامة الجمهورية بدلا من الملكية، حتي يسود العدل والديموقراطية بين الناس، كما أنه أول من دعا للأهتمام بالبيئة في ١٩٥٦، كما اهتم بالشباب ووجه كتباته إليهم وبلغة بسيطة يحثهم فيها بأن يؤمنوا بحضارتهم القديمة والابتعاد عن الكسل والاسترخاء.

لم تكن حياة سلامة موسي في مجملها إلا رسالة حب وتنوير واحترام للإنسان. وقد كرس كل مواهبه وإمكاناته من أجل رسالته هذه. أراد أن تكون مصر في مصاف الدول الأولي في العالم، في الإستقلال والزراعة والصناعة، والديموقراطية، والعلم، واحترام المرأة، والنهوض بالفلاح، وبناء القرية العصرية، والقضاء علي الجهل والفقر والمرض والغيبيات والتقاليد البالية والعادات الضارة.

أما كيف نكرم سلامة موسي، فيرى نجيب محفوظ “إن خير تكريم هو طبع ونشر كتبه ضمن مشروع الأعمال الكاملة، لأن هذه الكتب مفيدة تاريخياً وعصرياً، وماتزال الكثير من أفكارها حية ونحتاج إليها، وأعتقد أن هذه الدعوة بدأت تأخذ مجراها في عصر تكنولوجيا المعلومات وخاصة إن عملية الطباعة أصبحت مكلفة إلا أن هناك من تخطي هذه المعوقات ونشر كل مؤلفات سلامة موسي بشكل راقي إلكتروني يمكن أن يستفيد منه مجتمع المثقفين والقراء دون أى تكلفة وهي مؤسسة هنداوى التى أخذت علي عاتقها من إعداد وتقديم أغلب المؤلفات القديمة للكتاب والأدباء ومنهم بالطبع سلامة موسي أحد وأهم رواد الفكر والتنوير في المجتمع المصرى من خلال الرابط التالي:

 https://www.hindawi.org/contributors/40515160/

Post a comment

Facebook Comments