وزير المعارف الوطني

يذكر عباس محمود العقاد في كتابه “سعد زغلول سيرة وتحية” الذي صدر في طبعته الجديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب  وفي سلسلة تراث النهضة كيف كان سعد زغلول باشا قوى فى وزارته الاولي عندما أختير كوزيرا للمعارف عام ١٩٠٦ ويعرف ما يريد أن يحققه لمصلحة بلده وأبناء وطنه، وكان في ذلك الوقت بكل وزارة أو إدارة مستشار إنجليزى فرضته قوات الاحتلال علي تلك الجهات ليتحكم ويأمر فيما لا يملكه وهذا بهدف إضعاف السلطات الوطنية المصرية والعمل علي تقوية المصالح العليا لبريطانيا، وكان من نصيب سعد باشا زغلول مستشار صعب المراس هودوجلاس دنلوب الذي عمل بالوزارة منذ عام ١٨٩٧ وكان كل هدفه إلغاء كل المناهج التي تدعم الحياة الوطنية للمصريين، ولهذا كان وجود وزير معارف قوى يهتم بالمصريين ويعلم جيدا ما يريده من أجل أبناء الوطن، أكثر ما يهدد دنلوب ووجده داخل الوزارة، حتي أن الحرب قد أشتعلت بينهم لأعلي الدراجات ووصلت إلي اللورد كرومر الذي كان يقف كثيرا بجانب سعد باشا زغلول ليس حبا فيه ولكن لان سعد باشا زغلول كان أكثر دقة في تنفيذ القوانين واللوائح كرجل قانون ولكن فيما يفيد أبناء وطنه.

ولأن سعد باشا يعلم جيدا أهمية التعليم وأهمية الوزارة التي يترأسها لمستقبل المصريين فقد وجه عنايته إلي تعليم الأخصائيين وتعليم الشعب فى آن واحد، فأعان الجامعة المصرية بما أستطاع من مال وتضحية. ورأى أن أنتظار ثمراتها يطول قبل أن تنتفع البلاد منها بتخريج الأخصائيين المطلوبين في فروع الدراسة العالية، فآستأنف إرسال البعثات إلي المعاهد الأوربية، و أشرف بنفسه علي إنتقاء الطلبة النجباء متحرياً في ذلك الأخلاق كما كان يتحرى الذكاء والكفاءة .. ومن ملاحظاته في هذا الصدد أنه أستعرض الطلبة المرشحين لأحدى البعثات يوماً فسأل أحدهم – وقد أستكبر سنه – هل تزوجت؟

قال الطالب: نعم

قال: وكيف تصنع بزوجتك وأنت مقدم علي سفر قد يبعدك عنها في أوربا بضع سنوات؟

قال الطالب: إنني طلقتها يا سعادة الباشا!

فأمر بحذف أسمه وقال: مثل هذا لا يؤتمن علي تعليم.

أما عن تعليم الشعب لمحاربة الأمية – أو الوصمة الراسخة علي سمعة مصر كما كان يسميها – فقد أتخذ العدة له بالاكثار من المكاتب في القرى الصغيرة، وتولي بنفسه الطواف بالوجهين البحرى والقبلي للحض علي إنشائها وتوسيعها وتشجيع الفقهاء والمعلمين علي خدمتها، وقد رفع الاعانة المخصصة لها إلي  أكثر من ضعفها، وزاد عدد المدارس التي يتخرج منها معلمو المكاتب لسد الحاجة إلي المعلمين المدربين الذين يستلزمهم شيوع هذا النوع من التعليم، ولم يسمع برجل له همة ماضية في نشر هذه المكاتب إلا قربه وكافأه ولو كان في وزارة أخرى.

وعنى بأنشاء الأقسام الليلية للذين جاوزوا سن التعليم في المكاتب والمدارس، ليحارب الأمية بين الكبار كما يحاربها بين الصغار بالمكاتب النهارية، وكان في أحد جولاته بمكاتب الصعيد إذ التفت إلي تلميذ صغير حسن الإجابة بين (واضح) الذكاء، فأمر لساعته بنقلة إلي المدرسة الأميرية بغير مصروفات … وهنا قامت القيامة في ديوان الوزارة وغضب مستر دنلوب غضبته العسكرية لمخالفة القوانين. ماذا؟ أتلميذ بغير مصروفات وليس في الميزانية باب للمجانية؟ إن النظام إذاً لفي أشد الأخطار . وماذا يصنع مستر دنلوب في الديوان إلا أن يحافظ علي النظام ويضيع التعليم؟ … فلما عاد سعد إلي القاهرة كان مستر دنلوب قد نفخ في المشكلة حتي أوشكت أن تنقلب إلي أزمة وزارية، وسمع لورد كرومر بالخلاف المستحكم فسأل سعداً فيه وقال له: ألا تعترف أن تعليم هذا التلميذ بالمجان مخالف لنظام الوزارة؟ فقال سعد نعم هو مخالف، ولكنه ليس بالمخالفة الوحيدة التى أقترفتها الوزارة فيما سبق. وسرد له مسائل كثيرة كلها مخالف للقوانين وكلها في غير مصلحة التعليم. ثم قال: فلماذا لا نخالف القوانين مرة واحدة في مصلحة التعليم؟

وأصر سعد علي بقاء التلميذ في مكانه، وسوغ بقاءه بما كان في أبواب الميزانية من “الأوقاف” المحبوسة علي تعليم الفقراء. وقد أضيفت إلي وزارة المعارف منذ عهد طويل، ثم أصر علي فتح باب المجانية ليكون تعليم الفقراء بغير مصروفات مطابقاً للقوانين. وفتح باب المجانية فعلاً في المدارس الثانوية فأصاب به غرضين: أحدهما تسهيل الدراسة على الفقير، وثانيهما ترغيب الطلاب في دخول مدرسة المعلمين، لأنه اشترط علي التلميذ الذى يتعلم بالمجان في المدارس الثانوية أن يشتغل بالتدريس بضع سنوات.


من كتاب: سعد زغلول .. سيرة وتحية – تأليف عباس محمد العقاد. الهيئة المصرية العامة للكتاب صفحة ١١٨.

Post a comment

Facebook Comments